Gracias a la Vida

اكتشاف زوال الحُب

زوال اكتشاف الحُب

الحُب زوال اكتشاف

الحُب اكتشاف

الحُب زوال

زوال الحب اكتشاف

اكتشاف زوال الحُب

شاف زوال الحُب …

شاف الحُب …

شفَّ..

زال..

:)

الليلة اللي فاتت صحيت البيت كله تقريبا على صوتي. مش فاكرة تفاصيل الحلم، أو الكابوس يمكن، مش فاكرة انه كان فيه أي شيء يخوّف عشان يطلع منّي كل العواء والأنين دا. سمعت صوتي وفقت على صوت اخواتي مخضوضين وبيصحوني، وأنا نفسي اتخضيت

كنت عطشانة أوي، وصدري واجعني. بس ماتحركتش من مكاني وماطلبتش من حد يجيب لي مية. جسمي كان هامد وكل اللي فكرت فيه اني عايزة حد ينام جنبي وياخدني في حضنه. افتكرت الاحساس اللي نمت بيه أصلا، اني طول الوقت جعانة لمس، جعانة طاقة توصلني من جسم تاني وتهديني وتطمني

أنا حاسة اني زعلانة. زعلانة أوي وخايفة، ومش عايزة قوتي تخوني

أنتبه إلى كدمات زرقاء خفيفة، بالإضافة إلى الخطوط الحمراء عند الكتف كخدوش، أو آثار أظافر. تسألني أمي مالذي أفعله بنفسي. أجيبها بأني أستيقظ في الصباح وأتفاجأ بتلك العلامات المتكررة. أرجح في البداية أن التصاق حمالة الصدر بجلدي هو ما يسبب هذا الاحمرار ويجعله أشبه بتجمعات دموية رفيعة ودقيقة. ثم أكتشف علامات أخرى في مناطق بعيدة عن إطار الحمالة، أعلى الذراع أو بجوار الابط. كما أن نهديّ يتحررا قليلا عند تواجدي بالمنزل، فيصبح هذا الاحتمال ضعيفا وأضعه جانبا

وأفكر أني من أتسبب لنفسي بهذه الخدوش أثناء نومي. ولا أدري مالذي يحدث لي حقا حتى أفعل ذلك. أنسى الأمر حتى تختفي العلامات، ثم يعاود غيرها الظهور. ثم أرى كدمة صغيرة حمراء أعلى الكتف، ومثيلتها على الكتف الآخر. أصرف الانتباه هذه المرة أيضا ، ثم ألاحظ بقعة مائلة للزرقة على ذراعي، وأتذكر أن هناك بقعا تشبهها تتكون من وقت لآخر على ساقيّ

لا أجد تفسيرا منطقيا لما يحدث. ربما جسدي يعكس بعض التوتر والصراعات المخفية، أو يشعر بالحزن، أو تثقل عليه الأمور أحيانا فلا تستطيع الخلايا الضعيفة المقاومة وتنزف في صمت. ربما يعبر هذا الجسد عن رغبات وحشية لا تطلع لنفسها السراح إلا داخل أحلام لا أتذكرها. تترك معي فقط علامات حمراء وزرقاء، وأثر من رائحة

..

My life, which seems so simple and monotonous, is really a complicated affair of cafés where they like me and cafés where they don’t, streets that are friendly, streets that aren’t, rooms where I might be happy, rooms where I shall never be, looking-glasses I look nice in, looking-glasses I don’t, dresses that will be lucky, dresses that won’t, and so on.
Jean Rhys, Good Morning, Midnight

Body comparisons. 

I’m craving a kiss on the eye..

بعد شوية وقت بتعرف انها بتحب الرقص المعاصر، أو التجريبي أو اللي مالوش حدود مرسومة مثلا، أكتر من التقليدي زي الباليه

وبتعرف لما بتجرب ترقص وتتفرج على جسمها قدام المراية انه حركاته مش بدلع الرقص البلدي أكتر منها حركات أقرب لرقصات الغجر

وبتلاقي روحها ميالة للجبل أكتر من البحر، وللمساحات الواسعة الصفرا اللي لونها بيتغير حسب الإضاءة واتجاه الشمس، أكتر من اللي طاغي عليها اللون الأخضر. بتحب الاتنين متعشقين مع بعض، بس بتعرف تتنفس أكتر في الصحرا

وبتستنى أي فرصة تمشي حافية. وهى في بيت حد من صحابها، على النجيلة، على الرمل، على حصى حتى أو طوب. المهم تلمس الأرض وتحس بيها تحت منها

بتكتشف علاقتها الأقوى بالأرض واتصالها بيها أكتر من أي حاجة تانية، وبترتاح كل ما كانت قريبة منها، وبتسمع لصوت الشجر والهوا وأي حاجة حواليها، وبتعرف حتى انه للسكون صوت

بتحتفظ بريحة الأماكن الوقت والبني آدمين اللي بيعدوا عليها

بتحس بمدار طاقة بياخد منها ويديها لما تستخدم ايديها في حاجة، وانه كل حياتها وخيالها وجمالها وكل اللي عايزة تترجمه جواها، متركز في أطراف صوابعها

بتعرف في الآخر هى عايزة تروح فين، بس مش عارفة تروح إزاي

مترو

*But I have infinite tenderness for you*

2009

كانت تلك الفتاة ذات الحجاب الأزرق والجسد الهش، تقف على طرف رصيف المحطة، تحدق في نقطة فارغة أسفل منها وتترك طرف حجابها يتمايل مع تيارات الهواء الساخن الآتية من النفق. كان هناك ذلك الفتى الذي جذب ذراعها بعيدا عن حافة الرصيف، بعد أن كانت لا مبالية بالحياة، وغير مكترثة بالموت. كانت تلك المصادفة بينهما، وحديث انتقل من مرحلة الغضب والجدال مرورا بمشاكسة ساخرة إلى مرحلة حميمية كلقاء بين أصدقاء قدامى

كانت تلك السطور الأولى التي قرأتها عنهما، في يوم عادي جدا. كان بداية معرفتي بوجودك

2011- 2012

ربما كان الشتاء الذي يأتي في آخر العام

أتى الليل، وكنت أعبر الميدان بخطوات سريعة وأهبط سلالم المحطة. أسير في ذلك الممر الطويل، وأرفع عيني لأراكما سويا. هى بشعرها القصير الشديد التموج وخصلاته العشوائية الساقطة على جبهتها، سترة ثقيلة فاتحة اللون، وحذاء أسود طويل الرقبة بكعب عال. أنت بسترة جلدية سوداء وربما كنت تضع شالا حول رقبتك مثل العادة، ويديك في جيبي سترتك

كانت لحظة تباطأ عندها ايقاع الزمن قليلا. تأتيان في الاتجاه المعاكس لي، صامتان وكل منكما ينظر أمامه. لا أتذكر ملامح وجهها جيدا، ولكن ذلك التعبير المائل للشرود وانغماس في التفكير كان واضحا في عينيك

شيء ما حولكما منعني من الاقتراب، وإعادة التفكير بأننا لا نعرف بعضنا بشكل جيد، وأنها تبدو لحظة خاصة لن أجرؤ على قطعها

أحببت سيرك إلى جوارها، ابتسمت وربما شعر جزء صغير مني بالفقد. أني أسير وحدي، وليس لدي من يرافقني، وأسرع في خطوتي لأعود إلى بيت أمي مبكرا وينتهي اليوم، بينما يومكما يوشك على البدء

التفت مرة أخيرة إلى الوراء بينما تختفيان في انعطافة الممر

أغسطس 2012

منغمسة في حزن يخصني، مازلت أسير دون رفيق يعبر معي الشارع. لست مرتاحة في جسدي، متعثرة في حجابي وابتسامتي لا تشبهني. النضارة الطبية تخفي ملامح عيني. كل الأشياء في غير مكانها الصحيح، صديقتي تتزوج والوحدة تتمكن من صدري

 لا أتذكر متى أتيت، إذا كنا تبادلنا سلاما وحديثا عابرا أم لا. وقفت بالقرب صامتا تماما، وكان هناك أصدقاؤنا المشتركون، أفكر معهم إلى أين سنذهب بعد انتهاء اليوم. ربما كنت أقول لنفسي كيف يمكن التعامل مع هذا الصامت، يوزع فقط ابتسامة خفيفة بين حين وآخر، يتحدث قليلا مع صديقة لم تعد موجودة بحياتي الآن، هذا كل ما في الأمر

لم أكن مهتمة، لم أشعر أن لوجودك هذا الوقع الخاص. كل ما كنت أفكر فيه … لا أدري فيما كنت أفكر. ربما في الذهاب إلى البيت، الابتعاد عن الآخرين، التمني اليائس بوجود أحد ما في الجوار كي لا أشعر بكل تلك الغربة، ولكنه لم يأتِ أبدا

قررنا في النهاية ركوب المترو نحن الخمسة. أنا وأنت وثلاثة أصدقاء آخرون. جلست ووقفت أمامي. لا حديث خاص بيننا. لا اتصال، لا تعليقات، لا شيء

لا شيء أذكره على الاطلاق حتى من حوار دار بيني وبين صديقتي. وكأن كل شيء اكتسى بمسحة ضباب.

وبقيت وحدي في عربة المترو حتى جاءت محطتي الأخيرة

2014

فبراير

شعري ملموم خلف رقبتي، أنظر لوجهي في المرآة الذي ازداد سُمرة مع الأيام الأخيرة. نظرة عيني تتغير بعد كل ما حدث، تصبح أكثر حدة، ولكني متآلفة أكثر مع هذه الفتاة

 أخرج من بيت أهلي  وتأتيني رسالة منك على الهاتف “طمنيني لما تنزلي من عند مامتك” .. أتصل بك “هو ينفع أشوفَك النهاردة؟” ونتفق على موعد بمقهى استراند

أجلس أمامك وأحكي لك عما حدث، ما أن أنتهي حتى أمسك بكوب الشاي بكلتا يديّ، أحدق فيه ولا أريد أن أبكي. تظل صامتا للحظات. تتحدث لتجعلني أبتسم من وراء دموعي. ننهض وتخبرني أنه مازال أمامك وقت قبل عودتك إلى مقر عملك “هنعمل ايه دلوقت؟” .. وأنا أجيبك “خلينا نتمشى” .. نحكي عن أشياء كثيرة، نعبر الطريق سويا، ولثانية امتدت يدك لي، وبتلقائية لامست أطراف أصابعي أصابعك، شعرت بشيء ما، وقبل أن أميزه كانت ابتعدت يدانا في الثانية التي تليها

أخبرتك من جديد عن زيارة كاترين الأولى، صعودي جبل موسى الذي لم يكن مرتبا له، رؤيتي لغروب الشمس وشروق القمر في نفس الوقت فوق قمته

انتقلنا إلى الأفلام الايرانية، عباس كيارستامي، طاهرة التي تسير عبر أشجار الزيتون. رغبتنا المشتركة في تعلم الفارسية، والسفر إلى ايران. أخبرتني عن رغبتك في الحياة هنا، وأنها ممكنة بشكل ما، وأن سفرك  لا تريده إلا للدراسة أو تعلم شيء جديد.  كنت تتحدث والفكرة تتضح أكثر في ذهني، أني بالفعل لا أرغب في نقل حياتي بكاملها إلى بلد أخرى والعمل والاستقرار بها، وقطع كل ما يربطني بهذا المكان، وبمن أحبهم

ضحكنا، لم نتوقف عن الحكي، نظرت لك بجانب عيني متأملة وأنت تسرد نظرياتك الواقعية عن الحب والعلاقات. شيء ما داخلي يريد أن يسجل اعتراضه ويجادل، ولكني بقيت صامتة. كان شيء آخر يعلم أن لآرائك خلفية محددة  لن نريد الخوض فيها الآن

نظرت إلى نقطة بعيدة وأنت تواصل حديثك معي أمام مدخل المحطة. ابتسمت في شرود. وأنت وضعت يدك على ذراعي “خليكي كويسة” … تركتك خلفي وهبطت السلالم

كانت مسافات تتقلص، ودفء يتسع

مارس

تمشية صباحية لم نتفق عليها مسبقا. نخرج من محطة مصر وأنت تحاول معرفة سبب انطفائي. أنظر إليك قائلة بابتسامة “ماينفعش” . كنت تريد أن نفكر سويا بصوت عال، وأنا أراوغ وأظن أن عليّ الجلوس أولا مع نفسي لتفكيك الأشياء من بعضها

كل ما أعرفه أني حزينة، وأن هذا الحزن مرتبط بك

"ايه هى القوة الخارقة اللي تتمني تكون عندِك؟"

يتغير مجرى الحديث تماما.

نصل إلى ذلك المحل لنحضر سندويتشات للفطور. أشعر فجأة بعطش شديد. “45 دقيقة واحنا ماشيين وبنتكلم مش شوية برضه”. تقول ذلك بابتسامة خفيفة وأنت تنظر إلى ساعتك. لم أنتبه للمسافة، لطول الطريق، لتعب أقدامي، للشمس، للسيارات

كنت أستمع إليك بشغف، وأتحدث بما يرد على ذهني دون تفكير. عبء ينزاح عن صدري تدريجيا مع كل خطوة نسيرها معا. أصبح أخف مع كل كلمة تخرج منّي، شيء داخلي يستقر ويسكن مع كل موجة صوت تخرج منك

الأماكن، الأشخاص الذين مروا علينا، الأصدقاء، التجارب، الأفكار، العمل، الأحلام، العلاقات، الحب مرة أخرى، البيت الذي تركته، والبيت الذي أمكث فيه، والذي أبحث عنه

كأن العالم كله تم اختصاره في 45 دقيقة

نأخذ الطعام ونذهب للمقهى القريب من بيتك. نواصل الحديث.أفتح حقيبتي، وأخرج منها زجاجة عطر الفانيليا الصغيرة، وأضعها أمامك. “خليها معاك”. وأخبرك أنها كانت هديتي لنفسي في عيد ميلادي العام الماضي. نواصل الحديث، تتغير النظرة في عينيك تدريجيا، يتغير إحساسي باليوم. ودون قصد مني أزيح ثقل ما من على صدرك

نستعد للذهاب. أتناول الشال لأضعه حول رقبتي، وأشعر بك وأنت تقف خلفي وتراقبني. وكأن حنان ما كان زائدا عليك تلك اللحظة، استطعت رؤيته دون أن ألتفت

في طريقنا لمحطة المترو رفعت رأسي للسماء “الشمس حنينة النهاردة”. فككت شعري ليتنفس. لم يكن في أفضل حالاته. لم أعبأ لذلك. كان كل شيء هادئا وفي مكانه

أخبرتك في النهاية أني لا اطلب الكثير، وأن طموحي قد يتلخص في مكان  أتواجد به وأشعر أني “حتة واحدة على بعضي”. أن أكون في تلك الحالة التي لا أرغب معها التواجد في مكان آخر، أن أكف عن الانقسام نصفين، أن يكف هذا الصوت “عايزة أمشي” من النهش في صدري معظم الوقت. وأن ربما اختياري من البداية لتلك القدرة الخارقة، بأن أتواجد في عدة أماكن بنفس الوقت وأستطيع الانتقال كما أريد، يأتي من بحثي الدائم عن شيء لم أجده من قبل

نعبر شارع السوق المزدحم، نصل إلى المحطة، أصعد الرصيف وألتفت لك “أنا فجأة متفائلة باليوم النهاردة” ..  أرى تلك الابتسامة، وقبل أن أفهم ما يحدث، تأخذ يدي الممتدة إليك، تقترب في خفة، وأجد نفسي في حضنك. لست معتادة على الأحضان هكذا. لست معتادة على الأحضان في شارع مليء بالباعة والموظفين وعشرات البشر يسيرون من حولنا. لست معتادة على الأحضان بشكل عام

ضحكت، ضحكنا، وجدت نفسي أربت على كتفك، وربما رفعت يدك الأخرى لتضعها على ظهري، ربما ضممتني أكثر قليلا. تختلط الأشياء تماما. نبتعد ومازلنا نضحك.

أتركك، يلازمني إحساس بقية اليوم أن هناك هالة تكونت حولي لتمنع عني الأذى

كأن العالم تم اختصاره في دقيقتين

ابريل… أقسى الشهور

منتصف النهار، القاهرة، عشوائية المكان، زحام شديد، محطة بعيدة، المزيد والمزيد من البشر الغرباء المخيفين

الواقع كان يرحب بنا بعد عودتنا من كاترين

نجلس متجاورين في العربة المتكدسة بعد أن مضى كل من كانوا معنا. لم أكن هناك، في ذلك الجسد الذي يلامسك. كنت معلقة عن مدخل الوادي، فوق قمة الجبل، على عتبة البيت.

وتعطلت ساعتي عند الدقيقة الأخيرة من 6 ساعات متواصلة، احتواني فيها حضنك على طريق السفر

ذهبت روحي وسكنني الوجع. وحقيقة تتضح، أني أريدك. وحقيقة أخرى، أن الماضي لم ينتهي منّا

نصمت. أحدق في اللاشيء، وأرغب في ساعات طويلة من النوم

"قوليلي لما تحسي انك أحسن وعايزة تتكلمي"
أهز رأسي بالايجاب دون أن أنظر إليك. تأتي محطتي. عليّ أن أتركك الآن

منتصف مايو

أقف وسط عشرات الأشخاص حولي في ركن من الجامع، أتلفّت برأسي قليلا، وأعرف أنك هنا، ولم تظهر في مجال الرؤية بعد

تنتهي مراسم عقد الزواج لاثنين من أقرب أصدقائنا إلى قلبي، ويتجه الجميع نحوهما ليباركوا حياتهما الجديدة. ألمحك أخيرا، ولكني أعود خطوتين إلى الوراء وأسند ظهري للحائط، أدير رأسي في اتجاه آخر وأبدأ في التحدث مع فتاة طيبة لا أراها كثيرا. “ما الذي عليّ فعله الآن؟” أسأل نفسي

تأتي صديقة أخرى، تخبرني أنك تبحث عني. انظر في اتجاهك، العديد من الأشخاص يقفون بيننا، تقع عينك عليّ، يتحول وجهك إلى ابتسامة دافئة تدعوني إليها، أبتسم أنا الأخرى، أتحرك نحوك بسرعة دون تفكير، أقف أمامك فجأة وكأني كبحت فراملي، وأمد يدي فقط. نسلم، نتحدث قليلا، تفترق يدانا

أتعمد البقاء على مسافة. نقف وسط مجموعة من الأصدقاء، وفجأة أسير مبتعدة. نجتمع لنقف سويا من جديد، وأبتعد من جديد.

يدٌ توضع على ظهري وأنتفض، ألتفت لأجدك أنت .. “تعالي نتصور معاهم” .. ألمح في عينيك تلك النظرة وأفهم أنك شعرت بارتباكي وانتفاضة جسدي. وألمس ارتباك مقابل وثقل يتكون في داخلك

….

"أنا لازم أتحرك دلوقتي عشان الشغل"

أرفع عيني إليك وأنا جالسة على سور خارج الجامع

"طيب"

أعاود النظر إلى حقيبتي التي أسندها على ساقيّ وأعبث بها. تقف أمامي قليلا وأنت صامت

"اديني حضن بذمة طيب"

أنظر إليك، وأرغب في الاختباء داخلك، ولكن أطرافي تبقى ساكنة لا تتحرك. تميل عليّ وتضمني. أسند جبهتي على صدرك، أو أتخيل أن هذا ما حدث. تجلس بجانبي ونصمت. الهواء ثقيل في المسافة الصغيرة الفاصلة بيننا، وأسأل حالي أين ذهب الكلام وكأننا نحاول اختراع مفردات جديدة. ثم أحسم أمري أخيرا…. “فيه حاجة معايا عشانك، بس مش عارفة أديهالك ولا لأ” … “حاجة ايه؟” … أفكر انه خلاص، يعني بلاش أستعبط. أفتح الحقيبة وأخرج منها الجواب لأعطيه لك

"اللي يشوف شكله من برا ممكن ينخدع ويفكر فيه فلوس"

" حداشر صفحة… ايدي تقريبا اتكسرت وأنا بكتبه"

لا تعلق على العدد أو تسأل لماذا بخط الايد هذه المرة، وأفكر أني وضعت فيه كل الطاقات والمشاعر المتناقضة التي أملكها في ذلك الوقت. حتة كبيرة منّي وحقيقية وكأني بفرط روحي وأبعترها قدامك. كنت أريدك أن تراها بوضوح وتدرك أنها موجودة بالفعل. لم يكن مهما في تلك اللحظة أن توافق على ما تقرؤه أو ترفضه، كنت أريدك أن تراني

" سامعة صوت أم كلثوم جاي من القهوة بس مش عارفة أميز الأغنية"

تهز رأسك وأنت تنظر إلى الناحية الأخرى من الشارع. يأتي أصدقاؤنا ليودعونا ويمضوا

"حُب ايه"

أهز رأسي. ألتقط الكلمات واللحن بالفعل قبل أن تخبرني بثوان، وأقول لنفسي مش وقتك خالص يا ست

….

نسير معا حتى أول الشارع، يدك تمتد لتحتضن يدي. أتركها لك ، ولا أشعر بأي شيء

"انتِ اتوترتي لما حضنتك؟"

"أه …"

نحاول ايقاف تاكسي حتى محطة المترو. وبعد عدة محاولات لا تصيب يقف سائق وأخبره عن وجهتنا فيوافق .. “يمكن عشان أنا اللي قلت له المرة دي؟” .. “نعم يا نهى؟” .. أضحك. وأحاول الاسترخاء في الكرسي. تتسلل طاقة الحديث بيننا. نمر بمنطقة باب الخلق فتخبرني عن مكان قريب كنت تتعلم به العود، وأن هناك أشياء أخرى توقفت عنها وتريد البدء فيها من جديد

"والفارسي؟ :)"

"الفارسي .. كنت ناسيه خالص"

أفكر في الرغبات الصغيرة المشتركة، الأماكن المألوفة لكلينا، احساسنا العام بالأشياء. أنظر إلى الجواب في يدك المستقرة على ساقك. أشعر بالخوف عليك، أني أقسو علينا بشدة، وأوشك أن ألتقطه منك وألقيه بحركة مفاجئة من نافذة التاكسي، أخبرك انه خلاص دا كلام مش مهم إطلاقا ومفيش داعي تقراه. الشمس تسقط على وجهنا مباشرة وهى تستعد للغروب ، وتبدو الحياة ساكنة للحظة. أقاوم رغبة أخيرة بلمس يدك، ثم أترك مساحة لبعض من أنانية الذات

نقف أمام مدخل المحطة متواجهين. تنظر إليّ، أهز كتفي وأضحك في توتر. تضحك، وتقترب منّي. نتلامس في خفة، وأستدير ويدي تنسحب تدريجيا من يدك

نهاية مايو

تمتلىء قاعة السينما عن آخرها، أجلس مكاني وأترقب حضورك بين لحظة وأخرى، وأفكر أنه من الجيد معرفتي بقدومك مسبقا. المسافة الزمنية الفاصلة بين رسالتك الالكترونية هذا اليوم وبين حضوري كانت كافية لهضم كل الأشياء والتفكير في شيء واحد فقط، انك وحشتني، وأني أريد هذا الحضن الطويل القوي والدافىء

عشرة أيام هى كل ما مضى على واقعة الجواب، ثم ينتهي الأمر بأن تغلب حنيتنا على بعض كل سوء آخر. وأرفع عيني لأراك تبتسم لي في نفس اللحظة وأنت تتجه نحوي مباشرة، وأقف لأستقبلك في حضني. كما أردته تماما، وكما أحب حين نضحك سويا في تلك اللحظات. تضغط يديك على ظهري أكثر وتحاول التقاط أنفاسك وكأنك أخذتها مسافة طويلة سيرا على الأقدام. وكما أحب حين أفعلها بتلقائية كل مرة وأربت كثيرا على كتفك وأمسد ظهرك سريعا وبخفّة

نفترق مؤقتا لتذهب وتجلس بالخلف مع صديقين آخرين حتى ينتهي الفيلم

ثم نجتمع نحن الأربعة ونمضي في اتجاه المقهى. “عاملة ايه؟” .. “حلوة” .. يتسلل إليّ هدوء يجعلني أشعر اني حلوة فعلا، من برا ومن جوا

أُبدي اعجابي بقميصك، وتبدي ابتسامة واسعة. تمتد إليّ يدك عند عبور الطريق وآخذها. تمتد إليك يدي بكوب السوبيا البارد ونحن على المقهى، وتعطيني تلك الابتسامة الخاصة، تجعلني أعود إلى مثيلتها ابريل الماضي في كاترين، وأنا أدخل عليك بكوب من الشاي. وأفكر أن عيبي دائما هو تذكر أصغر التفاصيل

ويفترق عنا الصديقان، ونواصل السير في شوارع وسط البلد

"احكيلي تلات حاجات عنِك"

أخبرك عن أزمات التواصل مع أمي، عن جلساتي مع طبيبتي النفسية، عن مهام صغيرة مكلفة بها في العمل وأشعر بها كحجر ثقيل، عن استعدادات السفر في أكتوبر القادم

 بينما تخبرني عن فريق كرة القدم الذي تشجعه، هزيمته الثقيلة الأخيرة. عن لاعب أحرز هدفا في دقيقة قاتلة، ومعنى الأمل المرتبط باللعبة. أحب دائما حين تتحدث عن الفريق وأسمعك تقول “احنا”. أبتسم سرا في كل مرة وأنا أشعر بحلاوة ايمانك بهم وكأنك جزء أصيل من هذا الكيان، وأتمنى أن يفوزوا ولو مرة واحدة بالفعل، كرمال خاطرك

"بسمع أحمد منيب كتير مؤخرا"

"أه ما أنا عارفة"

"عارفة إزاي؟"

"مش انت بتسمعه من على الساوند كلاود؟"

تصمت للحظة بينما أخرج لك لساني في شقاوة وأضحك .. “بتراقبيني يا نهى!” .. أستمر في الضحك بصوت عال  “وأنا مالي يا جدع ماهى الأبديتس اللي بتطلع عندي لوحدها” .. نضحك سويا ونستعيد كم أن هذا غريب، أن أكون في بيتي أو في أي مكان آخر بعيدا عنك، وأستطيع معرفة التراك الذي تسمعه الآن بسبب حسابي المفتوح على جهازك، نضحك من جديد على موقف آخر تنبهت فيه لمحتويات تاريخ البحث على جوجل، ومع قليل من التركيز تذكرت أن هذا الحساب أيضا مازال مفتوحا عندك. نضحك وأعرف أنه بعد عدة سنوات، سوف يتذكر أحدنا ما كان يحدث ويعاود الضحك بصوت مسموع مرة أخرى

"أنا مسافرة كاترين"

أشعر بالحاجة إلى إخبارك، وأني دفعت رسوم الرحلة بالفعل، والأمر يتوقف الآن على اكتمال العدد من عدمه. تخبرني عن رغبتك في أن نذهب إلى هناك مرة أخرى في أغسطس، وأنك تريد كسر حالة عايشتها معه لسنتين متتاليتين. أصمت وأنا أفكر أن لا أحد يدري مالذي يمكن حدوثه من الآن حتى أغسطس، وكيف أنه يبدو بعيدا جدا، وكل الاحتمالات متاحة

نصل إلى المحطة، أواصل الحديث عن رغبتي في السفر، وترددي في ذات الوقت. كم أحتاج إلى الصمت والعزلة، وكم أشعر بصعوبة الخطوة في هذا التوقيت. أتحدث معك عن كل ما أشعر به وأعايشه في تلك الفترة، كيف تبدو الأشياء ثقيلة في كثير من الأحيان، ولا أستطيع تحمل الوجود ذاته، وكيف أنجح بأحيان أخري في التعامل مع ذاتي وما يحدث لي بخفة كأني ألعب مع الحياة. أتحدث باسترسال وأريحية وكأني أسرد قصة عن اثنين آخرين غيرنا

تنصت إليّ، يدي في يدك، تخبرني أنك تفهم جيدا. أحب أيضا حين أتحدث عن أمر ما وتقولها “أنا فاهم جدا”. تحاول طمأنتي، أن كل شيء سيكون في النهاية جميلا وعلى مايرام، أنك على يقين من ذلك، وأننا  هنفضل كويسين وطيبين. أخبرك عن خوفي كيف سأكون من الداخل بالنهاية، ما الأشياء التي ستخسرها روحي، وكيف سأتغير

"مش عايزة أبقى قاسية"

"قلبك هيبقى أجمد بس هتفضلي حنينة"

تستمر في الحديث بينما تضغط يدك على عظامي، ويمسّد ابهامك ظهر يدي. أبتسم، وأنا أرى كيف أن هذا الجمود سيكون مساويا للموت، وكأنك تخبرني “قلبك هيموت بس هتفضلي حنينة” .. أصمت وأشرد قليلا. .. “ماتسرحيش” .. تتحدث بنبرة آمرة وطفولية في آن.. “شوف يعني بقولك ما تسرحيش وتسرحي برضه في الثانية اللي بعدها” .أبتسم وقبل أن تمتد يدك الأخرى إلى وجهي ربما، ألتفت إليك، ونصمت لثوان معدودة

"وبعدين مش عارف انتِ فعلا بتحلوّي ولا عشان واحشاني بزيادة"

أضحك وتتورد خدودي قليلا. ألمح العرق على جبهتك ولا أستطيع رفع يدي لمسحه بأطراف أصابعي كما أرغب. أمدها فقط لأسوي ياقة قميصك، وأخبرك أن تذهب الآن

أضمك إليّ مرة أخيرة، وأنا أخبر نفسي أن عليّ تركك، وإلا لن أبرح مكاني هذه الليلة. شيء ما كان يتداعى في جسدي بخفوت وبطء

أتجه أخيرا لركوب المترو، يداهمني ألم شديد أسفل بطني. أعلم أن موعد دورتي ليس قبل أسبوع، ولكن الألم متزايد.

أضع يدي موضع الوجع وأتنفس بعمق، وأحاول تشتيت كل حواسي بعيدا عن رائحتك العالقة بملابسي

يوليو

"انتِ مدركة الوقت؟"

لا أتذكر جيدا إذا كانت هذه الصياغة الصحيحة للسؤال، أم أنه كان بصيغة أخرى مشابهة ل”انتِ عندك وعي بالوقت؟” … ولكني نظرت إليك عدة لحظات، وأنا صامتة، وكأن عقلي قد تأخر في معالجة السؤال وفهمه حتى يمكنه الإجابة عليه. أهز رأسي محاولة ادراك ما تعنيه .. “خلاص خلاص” تقول وأنت تضحك .. أنجح في الاستيعاب أخيرا فأسألك “انت عايز تمشي؟” .. تهز رأسك نافيا … “خلاص يبقى خلينا” …أجيبك وأنا أفكر من منّا الذي لا يوجد هنا الآن، أنا أم أنت

تنتهي الحفلة في الحادية عشر والربع مساءّ، نقف قليلا لنسلم على أصدقائنا، ثم تذكرني من جديد بضرورة الذهاب، وأشعر لوهلة أني طفلة يريد أبوها سحبها من يدها وإدخالها الفراش بعد تجاوزها موعد نومها. أتجاهل هذا، وأختار ألا أظهر شيء من ضيق يتسرب إليّ، مثل الكثير من الأشياء، ردود الأفعال على اختلافها، الأفكار، والكلمات التي اخترت اقصائها منذ بداية اليوم

نخرج إلى الشارع و أطلب منك أن تقلل من سرعة خطواتك بعض الشيء لأنه أنا كدا كدا متأخرة. لا تفعل، وأحاول مجاراتك

الوقت يمر ربما أسرع من الضوء، وكل شيء يتلاحق بينما لا أستطيع الوقوف أمام التفاصيل واختزانها جيدا كما أريد. أنا على وعي تام بالدقائق المتسربة من المسافة بيننا. لا أستطيع الإمساك بها وأجد نفسي مضطرة إلى ملاحقتها. أو أترك بعض المشاهد لأدرك غيرها، وأتركها لأدرك غيرها، وأتركها لأشعر بنَفَس متقطع وساقين لا يقدران على مواكبة سرعتك

"دي مش طريقة اتنين ماشيين مع بعض على فكرة"

"أنا أخدت بالي والله قبل ما تقولي"

أستمر في اعلان اعتراضي

"أنا مش خدت بالي ورجعت تاني؟"

"أه، بس دا ما يمنعش اني أتكلم برضه"

أشعر بالغضب. لم أكن قلقة من أي شيء قد يحدث في البيت عند رجوعي بعد منتصف الليل. كل ما أفكر فيه أني لا أستخدم سوى حقي الطبيعي في تمضية وقتي بطريقة تلائمني دون استعجال ودون خوف، وأن افتقادي لك لا يخف حتى مع وجودك بالقرب.

كنت أريد التوقف فجأة والتشبث بمكاني، أجبرك أيضا على الوقوف والالتفات إليّ، ثم أقترب منك، ألمس وجهك، أحفر تفاصيله جيدا داخلي عن طريق يديّ، وأنا أمر بأصابعي على جبينك، عينيك، أنفك، شفتيك، ذقنك…

"أنا عايزة أشوفك" ..

 كنت أريد أن أثبتك أمامي وأقول لك ذلك. لكنك كنت في سباق مع عقارب الساعة

في لحظة واحدة تختلط جميع الأشياء. سعادتي بامتنانك لي على الحفلة، أن هناك شيء صغير مبهج فعلته من أجلك. اختناقي بكل الكلام الذي يدور في عقلي. الصمت، والتفكير الطويل وأنا معاك.

ولا أدري إن كان هذا ما يجعلني أقف وراء حائط من زجاج فلا أرسل ولا أستقبل، أم أنك البعيد جدا، المنفصل عن مدار الطاقة المألوف لي، المتواجد في مكان آخر

وصل منك وانقطاع منّي، وصل منّي وانقطاع منك … لا تجتمع المتشابهات في نقطة واحدة هذه المرة

"انت سامعني صح؟"

"أه سامعك"

تتوقف عن الصفير بينما أتحدث في محاولة لملىء مساحة الفراغ . ثم تخبرني عن المرة اللي ركبت فيها مع سواق تاكسي وسمعت أغنية “أهواك” لعبد الحليم. كيف أنها أغنية لطيفة، رغم أن هذا النوع من الحُب لا يلائمك، ولكنك تتوقف عند “والدنيا تجيني معاك، ورضاها يبقى رضاك” .. “تحديدا تحديدا أنا بحب الحتة دي” .. “وساعتها يهون في هواك طول حرماني” أختار اغلاق فمي هذه المرة أيضا قبل أن أنطقها. أفكر أن أشياء مثل “وان ضاعت تبقى فداك” لا تحدث بالفعل

نصل أخيرا إلى المحطة. تطلب منّي طمأنتك حين أدخل إلى البيت، وأنه لم يحدث شيء يعكر نهاية اليوم بيني وبين أمي. وداع سريع ثم أقفز داخل المترو. أستعيد التفاصيل، تمشيتنا قبل المغرب، الافطار، الحفلة

أجد أن كل ما حدث لي كان يدور في فلك واحد فقط. كنت أشعر بجوع شديد نحوك، وأخفقت في الشبع

أغسطس … أو الصورة التي أردت أن أراها

خرجنا من العزاء، خطواتي بطيئة، وأشعر بك تحاول الخروج سريعا من محيط المكان. نسير متجاورين في صمت, الهدوء الغريب يلازمني وأفكر أنا هذا كل ما نحتاجه الآن، أقل القليل من الكلام. “القمر هلال النهاردة” تخبرني ذلك وأنا أبتسم وأهز رأسي. نتحدث قليلا عن تأثير العزاء علينا، وأستعيد في خاطري ما قلته لك عن أطوار القمر قبلها بساعات ونحن نقف ببلكونة بيتك، كيف تموت الأشياء، وكيف نولد من جديد.

أشعر من جديد بذلك الكائن يتحرك داخل بطني، أريد وضع يدي عليها، اخباره ان يهدأ قليلا، أنا أعرف جيدا كل شيء، ولكن رجاء لا تصحو الآن وتتمكن من جسدي كله والجزء الهش من مشاعري. أرفع يدي وألمس ظهرك لأربت عليه ونحن نسير، لا تقول شيئا، ولكني أشعر بالنقاء الخالص الواصل بيننا

نواصل السير حتى محطة المترو، المحطة من جديد. أبتسم في سري. كنت أعرف أن هناك مشهد ينتظر اضافته هنا. كنت أنتظره حتى يحدث وتكتمل الصورة. كنت أنتظر نجاح المحاولات بأن يكون كل ما بيننا هادئا وجميلا دون ألم، بعد أن أتصالح، أو أصل إلى نسبة جيدة من التصالح، وأترك الأشياء تمضي بعيدا عندما يحين لها الوقت أن تفعل ذلك. بعد أيام عشتها وحدي لأستعيد نفسي، وأستعيدك بطريقة مختلفة

يظل جزء صغير منّي لا يريد أن يذهب الآن، لأن كل ما أجده عندك مألوف بشدة. تخبرني أن العزاء كان ثقيلا جدا عليك. أصمت وأهز رأسي من جديد. لا أدري إن كان ما أمر به تلك اللحظة حزن من تأثيرات مختلفة، أم سكينة، أم يقين عجيب أن ما يحدث حولنا الآن هو السبيل لانفراجة ورحمة واسعة قريبة، وانه كل حاجة هتبقى كويسة وفي مكانها فعلا، وهنبقى راضيين، بشكل عام وشكل خاص

أختار من جديد الاحتفاظ بالفكرة لنفسي، ربما لأني مازلت أقلبها في عقلي. “انتِ كويسة؟” .. أبتسم “أه .. كويسة” .. “تؤ” .. تقولها فقط وأسمعك في رأسي تكمل الجملة “أنا عارف انك مش كويسة دلوقتي” .. أضحك وأسألك نفس السؤال. تجيب فيما معناه انك نُص نُص. أعلم اجهاد الأيام، لكن لا أدري، وكأن قلبك زعلان بشدة وواخد على خاطره من أشياء لا أعرفها.

تؤكد عليّ ضرورة أن أكثر من ارتداء الأسود وكيف أبدو جميلة داخله، وأخبرك من الممكن أن أفعل ذلك، بينما تحاول أنت الاكثار من الألوان الفاتحة في ملابسك وكيف تليق عليك أكثر. “ممكن نعمل كدا فعلا” .. تشعر طفلة داخلي بسعادة خفيفة عابرة

أسلم عليك قبل أن أهبط سلالم المحطة وأتخيل أنه سيكون حضن سريع عابر. تقربني منك أكثر، تضع يدك خلف رقبتي وتلمس أطراف شعري القصير، ونظل هكذا قليلا. لماذا أردت أن أبكي؟ هناك شيء ما خرج منك ونفذ داخلي، أحاول قراءته على مهل. شيء تمثل في موضع أطراف يدك من رقبتي بالذات. والحنان الزائد عليك مرة أخرى، كأنه اعتذار

أبتعد عنك “فيه حاجة مهمة لازم أعملها دلوقتي” وأفتح حقيبتي لأخرج النوت بوك والقلم. أتحدث بما يدور من أفكار عابرة في رأسي بينما أقطع ورقة وأكتب عليها، نضحك سويا  جراء كلامي، ثم أتأكد من ضبط الجملة المكتوبة بالانجليزية، أكتب تاريخ اليوم، واسمي بخط صغير أسفله. وأعلم أن في مرة قادمة أدخل فيها غرفتك، سأجدها معلقة على الحائط

أطويها وأضعها في يدك. “أفتحها امتى؟” .. “أول ما أمشي علطول”. نضحك، أضغط على يدك، ثم أتركها وأهبط السلالم

أحب تخيل ذلك المشهد بعدما تركتني، تسير إلى جانبك دراجتك في الشوارع الهادئة في التاسعة مساء باليوم قبل الأخير من أغسطس، أنوار خفيفة قادمة من البيوت والمحلات التي لم تنقطع عنها الكهرباء، تفتح الورقة، تتسع ابتسامتك وتفهم ما أعنيه. تلتمع عينيك، يخف قلبك ويمتلىء ويثقل بكل ما مررنا به في التجربة، مثلما يحدث مع قلبي تماما